إن اجتماع المتطلبات الوطنية الإلزامية، وارتفاع أعداد المرضى، والتوجه نحو الصحة الرقمية في إطار رؤية 2030، يدفع القيادات في قطاع الرعاية الصحية إلى مواجهة حقيقة صعبة. فالأنظمة التي أدارت عمليات المستشفيات على مدى العقد الماضي لم تعد قادرة على تلبية متطلبات اليوم. وفي مختلف أنحاء المملكة، تحل منصات أنظمة معلومات المستشفيات السحابية محل ما عجزت البرامج التقليدية عن تقديمه بصورة كافية.
ما العيب في أنظمة معلومات المستشفيات (HIS) القديمة التي لا تزال المستشفيات السعودية تعتمد عليها؟
صُممت أنظمة معلومات المستشفيات التقليدية لعصر مختلف. فقد بُني معظمها على بنى تقنية مغلقة تُستضاف داخل المنشأة، وتخزّن البيانات محليًا، وتتطلب تحديثات مكلفة للأجهزة كل بضع سنوات، وتعتمد على فرق تقنية معلومات داخلية كبيرة لصيانتها. وكانت عمليات تحديثها بطيئة، كما أن ربطها بالأنظمة الخارجية كان مكلفًا. أما توسيع نطاقها لاستيعاب المزيد من المرضى أو إضافة مواقع جديدة للمنشآت، فكان يتطلب البدء من جديد في مشاريع بنية تحتية معقدة.
ازدادت المشكلة حدة عندما ألزمت المملكة المنشآت بالامتثال لمتطلبات نفيس (NPHIES). إذ تتطلب المنصة الوطنية للتبادل الصحي والتأميني من المستشفيات وشركات التأمين تبادل البيانات السريرية والمالية عبر بوابة مركزية تستند إلى معايير موحدة. وتواجه المستشفيات التي لا تتكامل مع نفيس في الوقت المحدد تأخيرات في تسوية المطالبات، فضلًا عن الغرامات أو العقوبات. ولم تُصمم الأنظمة التقليدية لاستيعاب هذا المستوى من التشغيل البيني في الوقت الفعلي.
وتطلب تكييف هذه الأنظمة لتلبية متطلبات الامتثال تطوير حلول مخصصة باهظة التكلفة، وهو ما لم تتمكن العديد من المنشآت من تحمّله.
وبعيدًا عن الامتثال، تسببت الأنظمة التقليدية في إبطاء العمليات اليومية. فلم يكن لدى رؤساء الأقسام إمكانية الوصول إلى البيانات المباشرة، وكانت فرق الشؤون المالية تعتمد على تقارير قديمة تعود إلى ساعات أو أيام. وكان المرضى ينتقلون عبر مراحل الدخول والعلاج والخروج من المستشفى من خلال عمليات تعتمد على التنسيق اليدوي بين أدوات برمجية منفصلة ومعزولة. كما زادت حالات رفض المطالبات من الأعباء غير الضرورية على الفرق الإدارية التي تعاني أصلًا من ضغط العمل. ولم تعد تكلفة الاستمرار في استخدام هذه المنصات مالية فحسب، بل أصبحت تؤثر أيضًا في الرعاية السريرية.
ما الذي يغيّره نظام معلومات المستشفيات السحابي فعليًا؟
إن الانتقال إلى نظام معلومات مستشفى قائم على السحابة لا يقتصر على نقل سير العمل القديم إلى خادم جديد؛ بل يُحدث تغييراً جذرياً في كيفية تدفق البيانات داخل المستشفى، وكيفية وصول الموظفين إلى المعلومات، وكيفية اتخاذ الإداريين للقرارات. فالأقسام التي كانت تعمل في السابق بشكل منعزل أصبحت الآن تشترك في مصدر واحد وموثوق للمعلومات. وتتجلى أهمية هذا التحول بشكل خاص في مجالين محددين.
الوصول إلى البيانات في الوقت الفعلي عبر جميع الأقسام
من أبرز التغييرات التشغيلية المباشرة التي يوفرها نظام معلومات المستشفيات السحابي الحديث، إتاحة رؤية موحدة وفورية للمعلومات في جميع أنحاء المنشأة. إذ يمكن للأطباء والممارسين الصحيين الوصول إلى السجل الطبي الكامل للمريض، والأدوية التي يتناولها حاليًا، وأحدث نتائج المختبر من أي جهاز، سواء كانوا في محطة عمل داخل أحد الأجنحة، أو في عيادة للمرضى الخارجيين، أو يراجعون الحالات عن بُعد.
أما بالنسبة إلى الفرق الإدارية والمالية، فإن الوصول إلى البيانات في الوقت الفعلي يعني أن إدارة دورة الإيرادات لم تعد تعتمد على التسويات التي تُجرى في نهاية اليوم. إذ يمكن تقديم المطالبات وتتبعها ومتابعتها ضمن سير العمل نفسه. كما يمكن اكتشاف أخطاء الفوترة في وقت مبكر. وتتقلص المدة اللازمة لإجراءات خروج المرضى، التي كانت تستغرق ساعات في السابق، بشكل ملحوظ بفضل أتمتة جميع الخطوات اللاحقة وربطها ببعضها.
ويُظهر المستشفى الافتراضي الصحي السعودي (SEHA)، الذي يربط أكثر من 200 مستشفى في مختلف أنحاء المملكة من خلال تبادل المعلومات الصحية القائم على السحابة، والفرز المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والسجلات الصحية الإلكترونية القابلة للتشغيل البيني، ما يمكن أن تحققه هذه البنية التحتية المترابطة على المستوى الوطني. ويُعد هذا المستشفى الدليل الأبرز على أن اعتماد السحابة كخيار أساسي في الرعاية الصحية أصبح يحقق نتائج فعلية في المملكة العربية السعودية.
خفض النفقات العامة لتكنولوجيا المعلومات باستخدام برمجيات المستشفيات بنظام SaaS
من المزايا التي لا تحظى بالتقدير الكافي لبرامج المستشفيات المقدمة بنموذج البرمجيات كخدمة (SaaS)، الانخفاض الكبير في أعباء إدارة تقنية المعلومات. فالأنظمة المستضافة داخل المنشأة تتطلب غرف خوادم مخصصة، وعقودًا لصيانة الأجهزة، ودورات لتحديث البرامج تديرها الفرق الداخلية، وتجهيزات مكلفة للتعافي من الكوارث. وتختفي هذه الأعباء التشغيلية عند اعتماد نموذج قائم على السحابة.
يتولى مزود الخدمة مسؤولية البنية التحتية، وتحديثات الأمان، وتحديثات البرامج. وتدفع المستشفيات رسوم اشتراك بدلًا من تحمّل نفقات رأسمالية يصعب التنبؤ بها. ويُعد هذا النموذج ذا قيمة خاصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تتوسع في المدن الثانوية في مختلف أنحاء المملكة. فهو يتيح لها تطبيق نظام متكامل لإدارة المرضى دون الحاجة إلى إنشاء قسم كبير لتقنية المعلومات داخل المنشأة قبل افتتاحها.
لماذا يُعد الانتقال إلى الحلول السحابية في الرعاية الصحية خيارًا استراتيجيًا في السعودية؟
تعزز الاستثمارات الحكومية وبيانات السوق معًا الجدوى التجارية للانتقال إلى الحلول السحابية في قطاع الرعاية الصحية السعودي. فقد خصصت الحكومة 214 مليار ريال سعودي للتنمية الصحية والاجتماعية في عام 2024، مع إعطاء الأولوية للبنية التحتية للصحة الرقمية إلى جانب التوسع في المنشآت الصحية. كما وُجّه أكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي تحديدًا نحو التقنيات، بما فيها التطبيب عن بُعد والسجلات الصحية الإلكترونية.
وبلغت قيمة سوق تقنية المعلومات الصحية في السعودية 2.16 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 5.09 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 10.1%. وتستحوذ المنصات القائمة على السحابة على الحصة الأكبر من هذا السوق، مدفوعة بقدرتها على التوسع، وتحقيق التشغيل البيني، ودعم التحليلات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة إلى المستشفيات التي تتوسع أو تدير منشآت متعددة، تتيح حلول الرعاية الصحية السحابية التوسع دون الحاجة إلى تركيب أجهزة جديدة في كل موقع. إذ تزداد السعة مع نمو الطلب، بدلًا من الاضطرار إلى توقع أحمال الذروة وتوفير الموارد اللازمة لها قبل سنوات. وقد طبّق نحو 60% من مقدمي الرعاية الصحية في السعودية أنظمة السجلات الصحية الإلكترونية بالفعل، في حين تعمل نفيس على توحيد معايير تبادل البيانات بين المنشآت.
بالنسبة للمستشفيات السعودية التي تستبدل بنيتها التحتية القديمة، يمكن لنظام إدارة المستشفيات السعودي المصمم وفقًا لمعايير NPHIES وقابلية التشغيل البيني وسير العمل السريري المتكامل أن يوفر أساسًا أكثر استدامة للتحول الرقمي.
ما الخيارات التي يفضّلها صانعو القرار في المستشفيات السعودية عند المقارنة بين أنظمة معلومات المستشفيات السحابية والأنظمة المحلية؟
عندما يقارن صانعو القرار في المستشفيات السعودية بين خيارات برامج أنظمة معلومات المستشفيات السحابية والبدائل المستضافة داخل المنشأة، هناك ثلاثة عوامل رئيسية ترجّح كفة الحلول السحابية باستمرار.
أولاً، الجاهزية للامتثال؛ إذ صُممت المنصات السحابية الموجهة للسوق السعودي خصيصاً لدعم التكامل مع منصة “نفيس” (NPHIES)، ونظام الفوترة الإلكترونية الخاص بهيئة الزكاة والضريبة والجمارك (ZATCA)، ومعايير “HL7/FHIR”. في المقابل، تتطلب الأنظمة المُثبّتة محلياً (on-premises) دورات تطوير إضافية لتحقيق المستوى ذاته من الامتثال، مما يؤدي إلى زيادة التكاليف والمخاطر المتعلقة بالجدول الزمني.
ثانيًا، التكلفة الإجمالية للملكية. على الرغم من أن الأنظمة المستضافة داخل المنشأة قد تبدو أقل تكلفة على المدى القصير، فإن التكاليف المستمرة للأجهزة، والموظفين المتخصصين في تقنية المعلومات، والصيانة، والترقيات تتراكم بصورة ملحوظة على مدى خمس إلى عشر سنوات. أما تقديم الخدمات عبر السحابة، فيحوّل هذه التكاليف إلى نموذج اشتراك يمكن التنبؤ به ويتناسب مع حجم الاستخدام.
ثالثًا، سرعة التنفيذ. يمكن تهيئة المنصة السحابية وإطلاقها خلال أسابيع بدلًا من أشهر. وبالنسبة إلى المستشفيات التي تفتتح منشآت جديدة أو تستجيب لارتفاع مفاجئ في أعداد المرضى، تُحدث هذه المرونة فرقًا ملموسًا في الجداول الزمنية لتقديم الرعاية.
الميزات الأساسية التي ينبغي البحث عنها في منصة ERP سحابية للمستشفيات
ليست جميع المنصات السحابية متساوية. فعند تقييم حلول تخطيط موارد المؤسسات (ERP) السحابية للمستشفيات، ينبغي للقيادات في المستشفيات السعودية البحث عن منصة توحّد العمليات السريرية والمالية والإدارية ضمن بيئة واحدة. إذ تؤدي الأدوات المجزأة إلى مشكلات عزل البيانات نفسها التي تسببت فيها الأنظمة التقليدية.
ينبغي أن يتضمن نظام ERP للمستشفيات مصمم للسوق السعودي تكاملًا مدمجًا مع نفيس، ودعمًا للفوترة الإلكترونية عبر هيئة الزكاة والضريبة والجمارك (ZATCA)، وسجلات طبية إلكترونية مخصصة لكل تخصص، وإدارة للصيدليات والمختبرات، وأتمتة لدورة الإيرادات، ولوحة تحليلات تعرض البيانات في الوقت الفعلي ويمكن للقيادات السريرية والإدارية الوصول إليها.
كما تُعد بنية الأمان عاملًا مهمًا. فبيانات المرضى من أكثر المعلومات حساسية التي تحتفظ بها المستشفيات، ولذلك يجب أن تثبت المنصات السحابية امتثالها للمعايير الدولية ومتطلبات حوكمة البيانات المحلية. وينبغي أن تحظى خبرة مزود الخدمة وسجله السابق، وضمانات وقت التشغيل، وجودة دعم التنفيذ والتدريب بالاهتمام نفسه الذي تحظى به قائمة الميزات عند تقييم الحلول.
إن المستشفيات التي تختار اليوم منصات قائمة على الحوسبة السحابية لا تكتفي باستبدال برمجياتها فحسب، بل تضع الركيزة التشغيلية التي سيقوم عليها الجيل القادم من خدمات رعاية المرضى في المملكة العربية السعودية. وبالنسبة لأي منشأة صحية لا تزال تعتمد على بنية تحتية قديمة داخل مقرها، فإن الفرصة المتاحة لاتخاذ خطوات استراتيجية استباقية -بدلاً من الاكتفاء برد الفعل- بدأت تتقلص.